13 سبتمبر، 2026 ـeVe - الإسكندرية
توقف أنبوب «شرق–غرب» السعودي يعطل أكبر ممر التفاف على هرمز
دخلت أسواق الطاقة العالمية مرحلة أكثر حساسية بعد قرار السعودية إيقاف تدفقات النفط عبر خط أنابيب «شرق–غرب» بصورة احترازية، عقب تعرض أجزاء من الخط لهجمات في منطقتي الرياض والمدينة المنورة يوم 10 سبتمبر/أيلول. وأعلنت وزارة الطاقة السعودية أن فرق الطوارئ والفرق الفنية باشرت فورًا تأمين الخط وتقييم سلامته، من دون تحديد موعد لاستئناف الضخ أو حجم الأضرار بشكل نهائي.
ولا تكمن أهمية التطور في توقف خط أنابيب سعودي فحسب، بل في أن «شرق–غرب» أصبح خلال أزمة مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة البديلة في العالم. فهذا الخط، المعروف أيضًا باسم «بترولاين»، يمتد لنحو 1200 كيلومتر من منطقة بقيق في شرق المملكة إلى ينبع على ساحل البحر الأحمر، بطاقة قصوى تبلغ نحو 7 ملايين برميل يوميًا، وبذلك يوفر للسعودية طريقًا بريًا لنقل الخام إلى البحر الأحمر من دون الحاجة إلى المرور بمضيق هرمز.
لماذا يمثل الخط أهمية استثنائية الآن؟
لطالما كان مضيق هرمز نقطة الاختناق الأكبر في تجارة الطاقة العالمية، لكن أهمية البدائل البرية ارتفعت بصورة هائلة خلال أزمة 2026، بعدما تراجعت حركة الناقلات عبر المضيق إلى مستويات شديدة الانخفاض. وفي هذه البيئة أصبح خط «شرق–غرب» بمثابة صمام أمان رئيسي للنفط السعودي، إذ يسمح بتوجيه الخام من الحقول والمرافق الواقعة شرق المملكة إلى موانئ البحر الأحمر، وعلى رأسها ينبع، ومنها إلى الأسواق العالمية عبر مسار يتجاوز هرمز بالكامل.
وتقول رويترز إن الخط كان ينقل في الفترة الأخيرة نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يوميًا، الأمر الذي يجعل توقفه المفاجئ ضربة مباشرة لقدرة المملكة على المحافظة على تدفقات النفط عبر المسار البديل. كما حذرت الوكالة من أن استمرار التعطل لعدة أيام يمكن أن يهدد بفقدان ما يعادل نحو 4% من الإمدادات النفطية العالمية، وفق تقديرات متعاملين ومشترين في السوق.
وهنا تظهر المفارقة الاستراتيجية بوضوح: السعودية بنت على مدى عقود بنية تحتية تمكنها من تجاوز أخطر نقطة اختناق بحرية في الخليج، لكن الهجمات على منشآت الخط نفسه أظهرت أن الممر البديل عن هرمز يمكن بدوره أن يتحول إلى نقطة اختناق إذا تعرضت البنية التحتية البرية للاستهداف.
من الخليج إلى البحر الأحمر
تكمن وظيفة «شرق–غرب» في إعادة رسم خريطة حركة النفط السعودي.
فالنفط المستخرج في المنطقة الشرقية يمكن أن يسلك الطريق التقليدي نحو موانئ الخليج، ثم يمر عبر مضيق هرمز. أما عبر «شرق–غرب»، فيُنقل الخام برًا لمسافة تقارب 1200 كيلومتر باتجاه الغرب، وصولًا إلى ينبع على البحر الأحمر، حيث يمكن تحميله على ناقلات متجهة إلى الأسواق العالمية.
وهذا يعني أن الخط ليس مجرد أنبوب لنقل النفط، بل هو في الواقع ممر استراتيجي يربط حقول النفط السعودية بالأسواق العالمية دون المرور بالمياه التي تتحكم فيها جغرافيا مضيق هرمز.
ولهذا السبب أصبح خط «شرق–غرب» أكثر أهمية منذ بداية الأزمة الحالية. فقد أظهرت بيانات وتقارير السوق أن السعودية اعتمدت عليه بصورة أكبر لتوجيه كميات كانت ستصدر تقليديًا من موانئ الخليج. وتقدر Saudi Gazette أن نحو 5 ملايين برميل يوميًا جرى تحويلها إلى مسار البحر الأحمر في ظل أزمة هرمز.
ضربة مزدوجة لسوق النفط
المشكلة الحالية لا تتعلق بخط واحد بمعزل عن بقية شبكة النقل.
فإذا بقي مضيق هرمز مغلقًا أو شديد الاضطراب، وفي الوقت نفسه توقف «شرق–غرب»، فإن جزءًا كبيرًا من القدرة السعودية على تصدير الخام بعيدًا عن منطقة الخليج يصبح تحت الضغط.
وهذا هو السيناريو الذي يخشاه المتعاملون في أسواق النفط.
رويترز أشارت إلى أن السعودية تعتمد في مواجهة التعطل على المخزونات المتاحة في موانئ مثل ينبع، إلى جانب مرافق أخرى، لكن استمرار توقف الخط يرفع خطر استنزاف هذه المخزونات إذا طال أمد الأزمة.
وبمعنى آخر، فإن المشكلة ليست بالضرورة أن النفط السعودي اختفى من باطن الأرض، وإنما أن القدرة على نقله من مناطق الإنتاج إلى الموانئ التي تستطيع الوصول منها إلى الأسواق العالمية أصبحت مقيدة.
وهذه نقطة جوهرية في فهم أزمات الطاقة: الإنتاج شيء، والقدرة على التصدير شيء آخر.
هرمز ليس المشكلة الوحيدة
الأكثر إثارة للقلق أن أزمة «شرق–غرب» جاءت في وقت تتعرض فيه طرق بحرية أخرى في المنطقة لضغوط متزايدة.
فمضيق هرمز يمثل المخرج البحري الرئيسي من الخليج، بينما يمثل باب المندب بوابة البحر الأحمر إلى خليج عدن والمحيط الهندي. وأي اضطراب متزامن في هذين المسارين يجعل قدرة دول الخليج على تصدير الطاقة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية أكثر تعقيدًا وكلفة.
وبالتالي فإن قيمة خط «شرق–غرب» لا تأتي فقط من قدرته على تجاوز هرمز، وإنما من كونه جزءًا من شبكة أوسع تسمح للسعودية بإعادة توجيه صادراتها نحو البحر الأحمر.
لكن إذا أصبحت البنية التحتية التي تغذي هذا المسار نفسها معرضة للهجمات، فإن ميزة «التنويع الجغرافي» تتعرض لاختبار قاسٍ.
لماذا يراقب العالم مدة التوقف؟
السؤال الأهم الآن ليس فقط: لماذا توقف الخط؟ وإنما متى سيعود؟
وزارة الطاقة السعودية وصفت القرار بأنه إجراء احترازي، وأكدت أن الفرق المختصة تعمل على تأمين الخط وتقييم سلامته، لكنها لم تعلن حتى الآن إطارًا زمنيًا لاستئناف التشغيل.
وهذا التفصيل بالغ الأهمية بالنسبة إلى الأسواق.
إذا كان التوقف قصيرًا وتمكنت الفرق السعودية من إعادة تشغيل الخط بسرعة، فقد يكون تأثيره الأساسي نفسيًا وسعريًا، مع استمرار تدفق جزء كبير من النفط عبر البدائل المتاحة.
أما إذا استمر التعطل أيامًا طويلة، فإن المشكلة تتحول من حادث أمني إلى أزمة لوجستية عالمية، خصوصًا مع استمرار اضطراب هرمز.
وقد سبق للسعودية أن أثبتت قدرتها على إصلاح أضرار كبيرة في البنية التحتية النفطية بسرعة. ففي أبريل 2026 أعلنت وزارة الطاقة استعادة كامل الطاقة التشغيلية لخط «شرق–غرب»، البالغة نحو 7 ملايين برميل يوميًا، بعد أضرار سابقة لحقت بمنشآت الطاقة.
لكن التطور الحالي يحمل طبيعة مختلفة، لأن الهجمات الجديدة تأتي ضمن بيئة إقليمية متوترة، وليس كحادث منفرد.
سوق النفط أمام معادلة شديدة الخطورة
من هنا يمكن فهم سبب القلق في الأسواق العالمية.
هناك ثلاثة مستويات من الخطر تتقاطع في الوقت نفسه: اضطراب مضيق هرمز، وتوقف خط «شرق–غرب»، وتصاعد المخاطر على طرق الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
كل واحد من هذه العوامل يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين ويضغط على الإمدادات. أما اجتماعها في الوقت نفسه فيخلق خطرًا أكبر بكثير، لأن قدرة المنتجين الخليجيين على استخدام طرق بديلة تصبح محدودة.
وقد انعكس القلق بالفعل على الأسواق المالية السعودية، إذ تراجع المؤشر الرئيسي للسوق السعودية في تعاملات الأحد، بينما تعرضت أسهم أرامكو وبعض شركات الطاقة والبتروكيماويات لضغوط، في إشارة إلى حساسية المستثمرين تجاه تطورات البنية التحتية النفطية.
الممر الذي صُمم لتجاوز هرمز أصبح هو نفسه هدفًا
المفارقة الكبرى في القصة أن «شرق–غرب» صُمم تحديدًا لتقليل اعتماد السعودية على مضيق هرمز.
واليوم، وبعد أن أصبح هرمز أحد أهم بؤر أزمة الطاقة العالمية، تحوّل هذا الخط إلى أحد أهم الأصول الاستراتيجية في العالم.
ولهذا فإن استهدافه لا يحمل أهمية اقتصادية فحسب، بل يحمل رسالة جيوسياسية أيضًا: في حرب البنى التحتية للطاقة، لم يعد الأمر مقتصرًا على السيطرة على المضائق والممرات البحرية، بل أصبح يمتد إلى الأنابيب ومحطات الضخ والموانئ ومستودعات التخزين.
إن قدرة دولة منتجة مثل السعودية على تصدير النفط لا تتحدد فقط بحجم احتياطياتها أو قدرتها الإنتاجية، وإنما بقدرتها على حماية شبكة تمتد من الحقول في الشرق إلى الموانئ في الغرب.
وهذا بالضبط ما يجعل توقف «شرق–غرب» حدثًا يتجاوز الحدود السعودية.
لم يعد خط «شرق–غرب» مجرد مشروع نفطي سعودي، بل أصبح أحد الأعمدة الرئيسية لأمن الطاقة العالمي في ظل أزمة هرمز. وبطاقته القصوى التي تصل إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا، يستطيع هذا الممر نظريًا تحويل كميات ضخمة من النفط السعودي بعيدًا عن الخليج ومضيق هرمز.
لكن الهجمات الأخيرة كشفت الوجه الآخر لهذه الاستراتيجية: كلما أصبح البديل عن هرمز أكثر أهمية، أصبح هدفًا أكثر قيمة في أي صراع إقليمي واسع.
والآن تترقب أسواق النفط السؤال الحاسم: هل سيكون توقف الخط مؤقتًا لبضع ساعات أو أيام، أم أن الأضرار ستفرض أزمة أطول؟
إذا عاد «شرق–غرب» سريعًا، فقد تمتص الأسواق الصدمة. أما إذا طال التوقف بالتزامن مع استمرار اضطراب هرمز والبحر الأحمر، فإن العالم قد يواجه واحدة من أكثر أزمات إمدادات الطاقة تعقيدًا في السنوات الأخيرة.
وفي هذه الحالة لن تكون المعركة على سعر برميل النفط فقط، بل على الطرق التي يستطيع هذا البرميل أن يسلكها للوصول إلى العالم.
المصادر: وزارة الطاقة السعودية ووكالة الأنباء السعودية حول إيقاف الخط والإجراءات الفنية ، رويترز حول حجم التدفقات والتداعيات المحتملة على الإمدادات العالمية ، الجزيرة حول موقع الخط وطبيعته وقدرته الاستيعابية ، و Saudi Gazette حول دور الخط في تحويل الصادرات بعيدًا عن هرمز .