السرير المنسوب إلى توت عنخ آمون كان مكوّنًا من ثلاثة أجزاء، ويمكن طيه بطريقة تشبه حرف Z
كيف ابتكر المصريون القدماء السرير القابل للطي قبل أكثر من 3300 عام؟السرير الذي سبق التكنولوجيا.
عندما نتحدث اليوم عن الأسرّة القابلة للطي، فإن أول ما يخطر في أذهاننا هو الأثاث الحديث، والأسِرّة المخصصة للتخييم والسفر، والتصاميم التي يمكن طيّها وحملها بسهولة. لكن هذه الفكرة التي تبدو حديثة للغاية لها جذور ضاربة في أعماق التاريخ، وتحديدًا في مصر القديمة.
ومن أشهر الشواهد على ذلك السرير القابل للطي الذي عُثر عليه ضمن أثاث الملك المصري الشاب توت عنخ آمون في مقبرته بوادي الملوك، وهو أثر يكشف عن مستوى متقدم من التفكير الهندسي والعملي لدى صانعي الأثاث في مصر القديمة.
سرير قابل للطي في عصر الفراعنة
يرتبط السرير القابل للطي بالملك توت عنخ آمون، الذي حكم مصر خلال الأسرة الثامنة عشرة في الدولة الحديثة، في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وقد عُثر على هذا السرير ضمن مجموعة الأثاث والمقتنيات التي كانت محفوظة في مقبرة الملك رقم 62 في وادي الملوك.
وتشير سجلات الآثار المصرية إلى وجود سرير قابل للطي من مقتنيات توت عنخ آمون، ويحمل رقم التسجيل JE 62018 في المتحف المصري بالقاهرة. (globalegyptianmuseum.org)
واللافت في التصميم أنه لم يكن مجرد قطعة أثاث ثابتة، بل صُمم بحيث يمكن طي أجزاء منه لتسهيل نقله، وهو ما يجعله قريبًا بصورة مدهشة من مفهوم «السرير المتنقل» أو «سرير التخييم» المعروف في العصر الحديث.
وتشير مصادر متخصصة في تاريخ الأسرّة المحمولة إلى أن السرير المنسوب إلى توت عنخ آمون كان مكوّنًا من ثلاثة أجزاء، ويمكن طيه بطريقة تشبه حرف Z، وهي فكرة هندسية تحقق هدفين في وقت واحد: توفير سطح مناسب للنوم، وإمكانية تقليص حجمه عند نقله. (Kiwix)
أكثر من مجرد قطعة أثاث
تكمن أهمية هذا السرير في أنه يقدم صورة مختلفة عن الحياة اليومية في مصر القديمة. فالمصريون لم يطوروا الأثاث بهدف الزينة فقط، بل اهتموا أيضًا بالوظيفة وسهولة الاستخدام والنقل.
وهذه الفكرة تظهر بوضوح في الأثاث المصري القديم؛ فالمتاحف العالمية تحتفظ بعدد من القطع التي تكشف عن استخدام المصريين القدماء للمفاصل وآليات الطي والتجميع.
فعلى سبيل المثال، يحتفظ متحف المتروبوليتان للفنون بنموذج لسرير قابل للطي يعود إلى عصر الدولة الحديثة، ويرجع تأريخه إلى نحو 1550–1300 قبل الميلاد. وهو دليل مهم على أن مفهوم السرير القابل للطي كان معروفًا في مصر قبل عهد توت عنخ آمون أو في الفترة المحيطة به. (The Metropolitan Museum of Art)
وهنا تظهر دقة مهمة: لا يمكن القول علميًا إن سرير توت عنخ آمون هو أول سرير قابل للطي صنعه الإنسان على الإطلاق، لأن لدينا أدلة أثرية على وجود هذا النوع من التصميم في مصر خلال فترة أوسع من عهده. لكن يمكن القول إنه واحد من أقدم الأسرّة القابلة للطي المعروفة التي وصلت إلينا من العالم القديم، وأشهرها على الإطلاق بسبب ارتباطه بمقبرة توت عنخ آمون.
لماذا احتاج المصريون إلى سرير قابل للطي؟
السرير الثابت مناسب للقصر أو المنزل، لكنه يصبح أقل عملية عندما يتعلق الأمر بالسفر والتنقل.
وكانت الرحلات الملكية والصيد والرحلات العسكرية والأنشطة خارج القصور تتطلب تجهيزات يمكن نقلها بسهولة. وقد عُثر في مصر القديمة على مجموعة من الأدوات والأثاث المرتبط بالسفر، بما في ذلك الأسرّة والكراسي والمظلات وغيرها.
وتشير دراسة متخصصة في السفر في مصر القديمة إلى أن مقبرة توت عنخ آمون احتوت على سرير خفيف قابل للطي ضمن تجهيزات السفر الملكية. كما تشير الدراسة إلى وجود تجهيزات سفر ملكية أخرى، بما فيها خيمة وسرير سفر، في سياقات أثرية مصرية أقدم. (Scribd)
وهذا يعني أن السرير القابل للطي لم يكن مجرد اختراع للترف، بل كان حلًا عمليًا لمشكلة حقيقية: كيف يمكن توفير مكان مريح للنوم أثناء التنقل دون الحاجة إلى نقل سرير كامل وثقيل؟
المصريون والابتكار في الأثاث
السرير القابل للطي ليس المثال الوحيد على براعة المصريين القدماء في تصميم الأثاث.
فالمتاحف العالمية تحتفظ بكثير من الكراسي والمقاعد القابلة للطي التي تعود إلى مصر القديمة. ويعرض المتحف البريطاني، على سبيل المثال، كرسيًا خشبيًا قابلًا للطي من عصر الدولة الحديثة، مصنوعًا من الخشب والعاج والجلد، وتظهر فيه عناية واضحة بالتفاصيل وبآلية الحركة. (British Museum)
كما يحتفظ المتحف المصري بقطع قابلة للطي مرتبطة بعصر توت عنخ آمون، ومنها مقاعد مصنوعة من الخشب والعاج. ويصف المتحف المصري العالمي أحد هذه المقاعد بأنه كرسي قابل للطي من الأسرة الثامنة عشرة، مصنوع من الخشب والعاج، وكان يحتوي على وسادة جلدية. (globalegyptianmuseum.org)
وهذا يكشف أن المصري القديم كان يفكر في الأثاث باعتباره نظامًا يجمع بين الجمال والوظيفة وقابلية النقل.
مقبرة توت عنخ آمون.. كنز من التكنولوجيا القديمة
ساعد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922 على كشف هذه التفاصيل أمام العالم بصورة غير مسبوقة.
فقد اكتشف عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر مقبرة الملك في وادي الملوك في نوفمبر 1922، وكانت تحتوي على عدد هائل من الأثاث والأدوات والمقتنيات الملكية. وتؤكد وزارة السياحة والآثار المصرية أن المقبرة رقم 62 كانت من أبرز الاكتشافات الأثرية في التاريخ، وأن العثور على محتوياتها أحدث ضجة إعلامية عالمية. (egymonuments.gov.eg)
ومن بين الأثاث الذي خرج من المقبرة أسرّة جنائزية فاخرة، ومقاعد، وكراسٍ، وصناديق، وأدوات شخصية، إضافة إلى السرير القابل للطي الذي أصبح لاحقًا واحدًا من أكثر الأمثلة إثارة للاهتمام عند الحديث عن تقنيات السفر في مصر القديمة.
ولم تكن الأسرّة الجنائزية نفسها بسيطة؛ فالمتحف المصري يوثق، على سبيل المثال، سريرًا جنائزيًا لتوت عنخ آمون مصنوعًا من خشب الأبنوس ومغطى بأوراق الذهب، وزُين بعناصر مرتبطة بالحماية الدينية للملك. (globalegyptianmuseum.org)
هل كان توت عنخ آمون أول من عرف السرير القابل للطي؟
هنا يجب التفريق بين المعلومة الشعبية والاستنتاج الأثري.
تنتشر عبارة تقول إن توت عنخ آمون امتلك «أول سرير قابل للطي في التاريخ»، وهي عبارة جذابة وتعكس بالفعل مدى قدم الفكرة، لكنها أكثر حسمًا مما تسمح به الأدلة الحالية.
فالـ«متروبوليتان» يوثق نموذجًا مصريًا لسرير قابل للطي يعود إلى نحو 1550–1300 قبل الميلاد، وهي فترة تشمل ما قبل حكم توت عنخ آمون وتلامس عصره. (The Metropolitan Museum of Art)
كما أن الباحثين المتخصصين في الأثاث المصري أشاروا إلى وجود آليات طي في مصر القديمة، وأن السرير القابل للطي الخاص بتوت عنخ آمون يمثل مثالًا مميزًا لهذه التقنية. (ResearchGate)
لذلك فإن التعبير الأكثر دقة تاريخيًا هو أن مصر القديمة عرفت الأسرّة القابلة للطي منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، وأن سرير توت عنخ آمون من أشهر وأهم الأمثلة الباقية عليها.
من مصر القديمة إلى سرير التخييم الحديث
المثير في هذه القصة أن المبدأ الأساسي لم يتغير كثيرًا خلال آلاف السنين.
سرير التخييم الحديث يقوم على فكرة بسيطة: توفير مكان للنوم يمكن استخدامه عند الحاجة، ثم طيه وتقليل حجمه بعد الانتهاء.
والسرير المصري القديم المرتبط بتوت عنخ آمون قام على الفكرة نفسها تقريبًا؛ سطح للنوم، وهيكل قابل للطي، وتصميم يسمح بحمله أثناء السفر.
وبذلك فإن ما يبدو لنا اليوم ابتكارًا مرتبطًا بالحياة العصرية والسفر والتخييم، له جذور قديمة جدًا في الحضارة المصرية.
ولعل المفارقة الأجمل أن المصريين القدماء لم يكونوا بحاجة إلى الكهرباء أو المحركات أو المواد الصناعية الحديثة لتنفيذ هذه الفكرة؛ فقد اعتمدوا على الخشب، والمفاصل، والهندسة الدقيقة، والخبرة الحرفية.
نحن أمام شئ لا مثيل له ..!
إن قصة سرير توت عنخ آمون القابل للطي ليست مجرد قصة عن قطعة أثاث قديمة، وإنما مثال صغير على طبيعة الابتكار في مصر القديمة.
فمنذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، كان الحرفي المصري قادرًا على التفكير في مشكلة عملية: كيف يمكن توفير سرير مريح يمكن نقله أثناء السفر؟ ثم تحويل هذه الفكرة إلى قطعة أثاث حقيقية قابلة للطي.
ورغم أن وصفه بأنه «أول سرير قابل للطي في التاريخ» يحتاج إلى قدر من التحفظ العلمي، فإن الأدلة المتحفية تؤكد أن المصريين القدماء كانوا من أوائل الحضارات التي طورت تقنيات الأثاث القابل للطي، وأن سرير توت عنخ آمون يمثل واحدًا من أروع الشواهد الباقية على ذلك.
إنها واحدة من تلك التفاصيل الصغيرة التي تجعلنا نعيد النظر في الصورة التقليدية عن الحضارات القديمة؛ فقبل آلاف السنين من ظهور أسرّة التخييم الحديثة، كان هناك حرفي مصري يصمم سريرًا يستطيع صاحبه أن يطويه ويحمله معه في رحلاته.
وهكذا، فإن كثيرًا مما نعتبره اليوم «ابتكارًا حديثًا» قد يكون له جذور أقدم بكثير مما نتخيل، وربما كانت مصر القديمة واحدة من أهم المختبرات التي شهدت ميلاد هذه الأفكار.
المصادر :
أهم المصادر: متحف المتروبوليتان للفنون يوثق نموذج السرير القابل للطي من مصر القديمة ويؤرخه إلى نحو 1550–1300 ق.م. كما توثق قواعد بيانات الآثار المصرية السرير القابل للطي ضمن مقتنيات توت عنخ آمون، بينما يقدم المتحف المصري العالمي تفاصيل عن أثاث الملك ومقاعده القابلة للطي. وتؤكد وزارة السياحة والآثار المصرية سياق اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922 ومكانتها الأثرية.