إعلان أعلي المقال

   


في كل مرة يدخل فيها الشرق الأوسط مرحلة جديدة من الحروب والتصعيد، تعود إلى الواجهة الأحاديث النبوية  عن الملاحم الكبرى، ونهاية الزمان، والفتن، وظهور القوى القادمة من الشرق، والمعارك الفاصلة.


لكن هذه المرة تبدو الصورة أكثر تعقيدًا؛ فالمشهد لم يعد مجرد حرب محدودة بين دولتين أو صراع داخلي في دولة عربية، وإنما شبكة واسعة من المواجهات تمتد من إيران إلى اليمن والبحر الأحمر والخليج، وتتداخل فيها الولايات المتحدة والسعودية وإيران والحوثيون وقوى إقليمية ودولية أخرى.


وفي سبتمبر 2026، دخل التصعيد السعودي-الحوثي مرحلة جديدة، بعدما أعلن التحالف الذي تقوده السعودية اعتراض صاروخ باليستي أطلق باتجاه الرياض، وسط تقارير عن هجمات أخرى بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مناطق سعودية. (⁠أ ف ب)


وهنا يطرح السؤال نفسه:


هل يمكن قراءة ما يحدث اليوم باعتباره صورة حديثة للصراعات التي وصفتها الأحاديث النبوية عن  الملاحم الكبرى ونهاية الزمان ؟


الإجابة تحتاج إلى قدر كبير من الحذر؛ لأن الملاحم والنصوص الدينية لها سياقاتها العقدية والتاريخية، بينما السياسة الحديثة لها حساباتها العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية. لكن المقارنة بين الصورة الرمزية للملاحم وبين الخريطة الجيوسياسية الحالية تظل مثيرة للاهتمام .



تتميز روايات الملاحم ونهاية الزمان في الثقافات الدينية المختلفة بوجود عناصر متكررة: صراع واسع، قوى متقابلة، تغير في موازين القوة، تحالفات، مدن ومناطق استراتيجية، ثم مواجهة يُنظر إليها باعتبارها فاصلة .


وفي الدراسات الأكاديمية الخاصة بالتقاليد الأخروية، يُلاحظ أن شخصيات وأماكن مثل يأجوج ومأجوج وغيرها كثيرًا ما أُعيد تفسيرها عبر العصور وربطها بالصراعات السياسية القائمة في كل مرحلة.




فالمشكلة ليست في وجود تشابهات بين الروايات القديمة والواقع، وإنما في تحويل هذا التشابه إلى دليل قطعي على أن حدثًا دينيًا معينًا قد بدأ بالفعل.


السعودية بين إيران والحوثيين


الخريطة الحالية تمنح السعودية موقعًا بالغ الحساسية.


فالمملكة تواجه تصعيدًا من الحوثيين في اليمن، بينما ترتبط الحركة بعلاقة عسكرية وسياسية وثيقة مع إيران، بحسب دراسات ومصادر بحثية غربية. ويشير مجلس العلاقات الخارجية إلى أن الدعم الإيراني عزز القدرات العسكرية للحوثيين وقدرتهم على إسقاط القوة إلى البحر الأحمر. (⁠مجلس العلاقات الخارجية)


وفي سبتمبر 2026، اتسع نطاق المواجهة مجددًا، مع هجمات حوثية على الأراضي السعودية وضربات سعودية داخل اليمن.


وفي الوقت نفسه، تحدثت وكالة أسوشيتد برس عن لجوء السعودية إلى طلب دعم دفاعي من عدد من الدول، في ظل ضغوط على مخزونات صواريخ الاعتراض، بينما قالت إن الولايات المتحدة ما زالت تقدم تعاونًا استخباراتيًا وتخطيطيًا، لكنها لا تظهر استعدادًا للتدخل العسكري المباشر في الحرب على الحوثيين بالشكل الذي قد يتوقعه البعض. (⁠AP News)


وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية:


التحالف السعودي-الأميركي أوسع بكثير من الحرب الحالية، لكنه لا يعني تلقائيًا أن واشنطن ستخوض كل معركة تخوضها الرياض.


العلاقة الأمنية بين البلدين تمتد لعقود، وتشمل مبيعات أسلحة وتعاونًا دفاعيًا وتدريبات وأنظمة دفاع جوي وصاروخي. (⁠وزارة الخارجية الأمريكية)


لكن التطورات الأخيرة أظهرت أيضًا حدود هذا الدعم.


لماذا تبدو الصورة وكأنها “ملحمة”؟


إذا نظرنا إلى المشهد بعيدًا عن التفسير الديني، سنجد أن عناصر الصراع نفسه تحمل سمات تجعلها تبدو شبيهة بصورة “الحرب الكبرى”.


هناك إيران باعتبارها قوة إقليمية كبرى.


وهناك السعودية باعتبارها القوة العربية الخليجية في مواجهة تهديدات أمنية متعددة على الأقل في محيطها .


وهناك الولايات المتحدة باعتبارها القوة العسكرية الخارجية الأبرز في المنطقة.


وهناك الحوثيون الذين تحولوا من طرف محلي في الحرب اليمنية إلى قوة قادرة على التأثير في الملاحة والطاقة والأمن الإقليمي.


وفوق ذلك كله توجد ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر.


وهذه الممرات ليست مجرد مواقع جغرافية.


إنها شرايين الاقتصاد العالمي.


ولهذا فإن أي صراع كبير حولها يتحول بسرعة من حرب إقليمية إلى أزمة دولية.


باب المندب..


التطورات الأخيرة حول باب المندب جعلت المسألة أكثر خطورة.


فبحسب رويترز، أدى تقدم الحوثيين وسيطرتهم على مواقع قرب المضيق إلى زيادة الضغط على السعودية، واعتُبر ذلك انتكاسة كبيرة للرياض في الحرب اليمنية. كما أشارت الوكالة إلى أن توسع نفوذ الحوثيين قرب أحد أهم ممرات الطاقة والتجارة في العالم يضيف بعدًا دوليًا للصراع. (⁠Reuters)


وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط إثارة للاهتمام عند مقارنة الواقع الحديث بفكرة “الملاحم”.


فالملحمة، في المخيال الديني، ليست مجرد معركة بين جيشين.


إنها عادة صراع تتداخل فيه الأرض، والسلطة، والمقدسات، والممرات، والتحالفات، والتحولات الكبرى في موازين القوى.


وهذه العناصر موجودة بالفعل في الشرق الأوسط المعاصر، ولكن بأسماء ومؤسسات حديثة.


إيران والحوثيون.. هل نحن أمام محور واحد؟


من الخطأ اختزال الحوثيين في كونهم مجرد “ذراع إيرانية”، كما أنه من الخطأ تجاهل حجم الدعم الإيراني للحركة.


فالواقع أكثر تعقيدًا.


تشير الدراسات المتخصصة إلى أن إيران تقدم للحوثيين مساعدات تشمل الأسلحة والتدريب والدعم الاستخباراتي، لكن الحوثيين يمتلكون أيضًا أجندتهم اليمنية الخاصة، ولا يتطابقون بالكامل مع إيران من الناحية العقائدية والسياسية. (⁠مجلس العلاقات الخارجية)


وهذا التفصيل مهم لأن أي قراءة للمشهد باعتباره “معسكرًا واحدًا مقابل معسكر آخر” قد تخفي طبيعة الصراعات المحلية داخل هذه المنظومة.


الولايات المتحدة.. الحليف أم القوة التي تعيد حساباتها؟


هنا ربما توجد أهم نقطة في المشهد كله.


السعودية تعتمد منذ عقود على التعاون العسكري الأميركي، لكن واشنطن لا تنظر إلى كل ملفات الشرق الأوسط بالطريقة نفسها.


وتشير التقارير الحالية إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تتعاون استخباراتيًا ودفاعيًا مع السعودية، لكنها في الوقت نفسه تحاول تجنب الانجرار إلى جبهة يمنية جديدة مباشرة. (⁠AP News)


وهذا يعني أن معادلة:


السعودية + الولايات المتحدة ضد إيران والحوثيين


قد تكون صحيحة بوصفها وصفًا عامًا للتقارب الاستراتيجي في مواجهة بعض التهديدات، لكنها تصبح مضللة إذا فُهمت على أنها تعني وجود حرب أميركية-سعودية مشتركة ومباشرة ضد إيران والحوثيين في كل الجبهات.


الواقع أكثر سيولة.


التحالفات موجودة، ولكن المصالح ليست متطابقة دائمًا.


وماذا عن “الملاحم الكبرى”؟


هنا نصل إلى الجزء الأكثر حساسية.


هناك روايات وأحاديث وتفسيرات دينية متعددة تتحدث عن الفتن والملاحم وأحداث آخر الزمان.


لكن لا توجد قاعدة علمية تسمح بتحديد تاريخ تلك الأحداث انطلاقًا من تطورات سياسية معاصرة.


والتاريخ يقدم لنا أمثلة كثيرة على مجتمعات اعتقدت في فترات الحروب الكبرى أنها تعيش اللحظات الأخيرة أو أنها ترى تحقق نبوءات قديمة، ثم مرت الأحداث دون أن تتحقق القراءة التي كانت شائعة آنذاك.


حتى الدراسات الأكاديمية التي تناولت الفكر الأخروي تشير إلى أن الحركات والتيارات الأخروية كثيرًا ما تعيد تفسير الأحداث السياسية الجديدة داخل إطار ديني سابق. (⁠دوى)


لذلك فإن إسقاط كل حرب على “الملحمة الكبرى” قد يكون جذابًا إعلاميًا، لكنه ليس إثباتًا دينيًا أو تاريخيًا.


لماذا تزداد هذه القراءات الآن؟


لأن العالم العربي والشرق الأوسط يمران بمرحلة تحول استراتيجي واسعة.


إيران والولايات المتحدة في مواجهة.


السعودية تخوض مواجهة جديدة مع الحوثيين.


البحر الأحمر مهدد.


باب المندب أصبح عنصرًا أساسيًا في الحسابات العسكرية.


ومضيق هرمز مرتبط مباشرة بأمن الطاقة العالمي.


وفي الوقت نفسه، تظهر تحالفات جديدة وتتراجع أخرى.


كل ذلك يجعل الإنسان يرى أمامه صورة تشبه، من الناحية الرمزية، الروايات الدينية عن نهاية الزمان 


لكن الفرق الجوهري أن عالم اليوم تحكمه الأقمار الصناعية، والصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، والأسواق المالية، والذكاء الاصطناعي، والتحالفات العسكرية الحديثة .

فقد تكون الملاحم الكبرى قريبة جدا لكن بعد فناء التكنولوجيا والأسلحة الحديثة !


رقم واحد إنها “ملحمة” بمعناها الجيوسياسي، وليس بالضرورة بالمعنى الأخروي.

رقم اثنين : الملاحم بعناها الأخروي وقد تكون ناشئة الآن وتتأجج تدريجياً 


الأخطر ليس النبوءة.. وإنما احتمال اتساع الحرب


بعيدًا عن الروايات الدينية، هناك سبب واقعي يدعو إلى القلق.


كلما اتسعت جبهات الصراع، زادت احتمالات سوء الحساب.


هجوم على منشأة نفطية قد يؤدي إلى رد عسكري.


ضربة على مدينة قد تؤدي إلى ضربة مضادة.


استهداف سفينة في البحر الأحمر قد يغير حسابات القوى الدولية.


وتدخل دولة للدفاع عن حليفها يمكن أن يستدعي تدخل دولة أخرى.


وهكذا تتحول الحرب من سلسلة قرارات منفصلة إلى سلسلة من ردود الأفعال.


وهذا هو السيناريو الذي يجعل الصراعات الإقليمية خطيرة، بصرف النظر تمامًا عن أي تفسير ديني.


بين الأسطورة والجغرافيا السياسية


ربما يكون أكثر ما يلفت النظر في اللحظة الراهنة أن بعض الصور التي ظهرت في الروايات الدينية القديمة تجد ما يشبهها من حيث البنية العامة للصراع في عالم اليوم: قوى إقليمية، تحالفات دولية، صراع على الممرات، مدن استراتيجية، مقدسات، وحروب تتجاوز حدود الدولة الواحدة.


لكن التشابه لا يعني التطابق.


هذه خطوة تتجاوز ما تسمح به الأدلة.


الأكثر دقة هو القول إن الأحداث الحالية تعيد إلى الواجهة الأسئلة التي لطالما أثارتها أدبيات الملاحم: ماذا يحدث عندما تدخل القوى الكبرى في صراع واسع؟ وكيف تتغير الخريطة عندما تصبح الأرض والمقدسات والطاقة والممرات البحرية جزءًا من معركة واحدة؟


وهذه الأسئلة أصبحت اليوم أكثر واقعية من أي وقت مضى.


أخيراً 


الشرق الأوسط يعيش بالفعل مرحلة استثنائية.


والتصعيد بين السعودية والحوثيين، مع استمرار ارتباط الحوثيين بإيران، وتداخل المصالح الأميركية، يجعل المنطقة أمام واحدة من أكثر خرائط الصراع تعقيدًا في السنوات الأخيرة. (⁠Reuters)


لكن تحويل هذه التطورات إلى “دليل” على قرب نهاية العالم أو تحقق نبوءة محددة يبقى تفسيرًا دينيًا أو تأويليًا، وليس حقيقة يمكن إثباتها من الوقائع السياسية ، ولكن هناك ظواهر تدل عليها ولا يمكن اغفالها خاصة التي وردت في الأحاديث النبوية الصحيحة والروايات الأخري .


ومع ذلك، فإن هناك مفارقة لافتة:


الملاحم الكبرى تحدثت عن صراعات كبرى تعيد تشكيل العالم، بينما يعيش الشرق الأوسط اليوم صراعًا يمكنه بالفعل ــ لأسباب جيوسياسية واقتصادية وعسكرية بحتة ــ أن يعيد تشكيل المنطقة بأكملها.


والسؤال الحقيقي الذي تفرضه المرحلة الحالية ربما لا يكون:


“هل بدأت الملحمة الكبرى؟”


بل:


“هل تستطيع القوى الإقليمية والدولية احتواء هذا الصراع قبل أن يتحول من مجموعة حروب مترابطة إلى حرب إقليمية شاملة؟”


إعلان أسفل المقال