Wikipedia

نتائج البحث

Translate

Search our site

إعلان أعلي المقال




يُعد هاينز شتوكه Hein z Stücke واحدًا من أعظم الرحالة الذين عرفهم عالم السفر بالدراجات الهوائية، بل يعتبره كثير من المهتمين بهذا المجال أشهر رحالة دراجة في التاريخ الحديث، فقد كرّس أكثر من نصف قرن من حياته للتجول حول العالم على دراجة هوائية، محققًا إنجازًا لم يسبقه إليه أحد من حيث عدد الدول والمسافات التي قطعها. وُلد هاينز شتوكه في الحادي عشر من يناير عام 1940 في بلدة هوفلهوف بولاية شمال الراين وستفاليا في ألمانيا، وعاش طفولة صعبة خلال سنوات الحرب العالمية الثانية وما تلاها، ثم عمل بعد انتهاء دراسته كصانع قوالب وأدوات معدنية داخل أحد المصانع، إلا أن حياته اليومية الرتيبة لم تكن تلبي شغفه بالمغامرة واكتشاف العالم.

بدأت علاقة شتوكه بالسفر مبكرًا عندما قام في نهاية خمسينيات القرن الماضي برحلات قصيرة داخل أوروبا، وقد اكتشف خلالها أن الدراجة الهوائية تمنحه حرية لا توفرها أي وسيلة نقل أخرى، إذ تمكنه من التواصل المباشر مع الناس والمرور بالقرى والمدن والطبيعة بوتيرة تسمح له بفهم الثقافات المختلفة. وفي شهر نوفمبر من عام 1962 اتخذ القرار الذي غيّر حياته بالكامل، حيث ترك عمله وغادر بلدته وهو في الثانية والعشرين من عمره على متن دراجة بسيطة بثلاث سرعات فقط، ولم يكن يحمل معه سوى مبلغ مالي محدود وبعض الملابس والكاميرا، وكانت خطته الأولية هي رؤية العالم، لكنه لم يكن يتخيل أن رحلته ستستمر أكثر من خمسين عامًا دون أن يعود للاستقرار في وطنه.

خلال سنوات رحلته الطويلة عبر هاينز شتوكه القارات الخمس، وزار ما يقارب جميع دول العالم المعترف بها، بالإضافة إلى عشرات الأقاليم والجزر والمناطق النائية، وقطع أكثر من ستمائة ألف كيلومتر بالدراجة، وهي مسافة تعادل الدوران حول الكرة الأرضية أكثر من خمس عشرة مرة. وقد سلك طرقًا تمر عبر الصحاري والغابات الاستوائية والجبال والأنهار والسهول المتجمدة، كما صعد إلى مرتفعات شاهقة وعبر مناطق نائية في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية وألاسكا وسيبيريا، ووصل إلى أماكن لم يكن يصل إليها سوى عدد قليل جدًا من الرحالة في تلك الفترة.

لم تكن رحلته سهلة بأي حال من الأحوال، فقد تعرض للسرقة عدة مرات، وسُرقت دراجته الشهيرة أكثر من مرة قبل أن يستعيدها في كل مرة تقريبًا، كما تعرض لحوادث مرورية خطيرة، وأصيب في بعض المناطق بالأمراض ولدغات الحشرات، وكاد يفقد حياته في الصحراء نتيجة العطش، كما واجه الحروب والاضطرابات السياسية والانقلابات العسكرية والإغلاقات الحدودية، واحتُجز في بعض الدول لفترات قصيرة بسبب سوء الفهم أو الإجراءات الأمنية، لكنه كان يواصل رحلته بعد تجاوز كل أزمة، مؤمنًا بأن الصعوبات جزء طبيعي من حياة المسافر الحقيقي.

ومن الأمور اللافتة في قصة هاينز شتوكه أنه اعتمد لسنوات طويلة على الدراجة نفسها ذات الإطار الفولاذي وثلاث سرعات فقط، وكان يفضل البساطة والاعتمادية على التقنيات الحديثة، وقد خضعت هذه الدراجة لعشرات عمليات الإصلاح واللحام بعد تعرضها للكسر والإجهاد الناتج عن مئات الآلاف من الكيلومترات، حتى أصبحت قطعة تاريخية مرتبطة باسمه، كما حمل عليها جميع متعلقاته الشخصية طوال سنوات السفر.

أما من الناحية المالية، فلم يكن هاينز شتوكه ممولًا من شركات أو مؤسسات كبرى، بل كان يعتمد على نفسه بالكامل، إذ كان يلتقط الصور في جميع البلدان التي يزورها، ثم يبيع البطاقات البريدية والكتيبات التي تحتوي على قصص رحلاته وصوره، كما كان يمنح تراخيص استخدام صوره للمجلات والصحف، ويقيم محاضرات عن رحلاته في المدن التي يمر بها، وهو ما وفر له دخلًا متواضعًا مكّنه من الاستمرار في السفر لعقود طويلة دون الحاجة إلى وظيفة ثابتة.

وخلال رحلاته التقط أكثر من مئة ألف صورة فوتوغرافية، ووثق آلاف المواقف والأحداث والعادات والتقاليد والمناظر الطبيعية، وأصبحت هذه الصور سجلًا بصريًا نادرًا للعالم خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، كما احتفظ بمذكرات ورسائل ووثائق كثيرة تسجل تفاصيل رحلاته اليومية، الأمر الذي جعل قصته تحظى باهتمام الباحثين والصحفيين وصناع الأفلام الوثائقية.

وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي اعترفت موسوعة غينيس للأرقام القياسية بإنجازه باعتباره أكثر شخص سافر بالدراجة الهوائية في التاريخ، وهو اللقب الذي ارتبط باسمه لعدة سنوات، كما نشر سيرته الذاتية باللغة الألمانية، ثم صدرت لاحقًا سيرة موسعة بعنوان “Home Is Elsewhere: 50 Years Around the World by Bike”، والتي تناولت رحلته الممتدة لأكثر من خمسين عامًا، كما أُنتج فيلم وثائقي بعنوان “The Man Who Wanted to See It All” تناول فلسفته في الحياة ودوافعه للاستمرار في السفر رغم تقدمه في العمر.

لم يكن هدف هاينز شتوكه مجرد تسجيل الأرقام القياسية، بل كان يؤكد دائمًا أن القيمة الحقيقية للسفر تكمن في التعرف إلى البشر واحترام اختلاف الثقافات، وكان يرى أن الدراجة الهوائية تجعل الإنسان قريبًا من المجتمعات المحلية بطريقة لا تحققها وسائل النقل السريعة، ولذلك كان يقضي أوقاتًا طويلة في الحديث مع السكان المحليين، ويحرص على التعرف إلى عاداتهم وأساليب حياتهم، وهو ما جعله يبني صداقات في عشرات الدول حول العالم.

بعد أكثر من خمسين عامًا من التجوال عاد هاينز شتوكه في النهاية إلى مسقط رأسه في ألمانيا، بعدما تجاوز مجموع رحلاته ستمائة وثمانية وأربعين ألف كيلومتر وفق أحدث الإحصاءات المتعلقة بمسيرته، ليصبح أحد أشهر رموز السفر بالدراجات الهوائية في التاريخ، وقصة ملهمة لكل من يؤمن بأن الشغف والإصرار يمكن أن يحولا حلمًا بسيطًا إلى إنجاز عالمي استثنائي، ولا يزال اسمه حاضرًا بقوة بين الرحالة ومحبي المغامرات بوصفه مثالًا للإنسان الذي جعل من الدراجة أسلوب حياة ومن العالم بأسره وطنًا مفتوحًا.


وفاته : نشر حساب على منصة انستغرام يوم الجمعة ٢٤ يويلو الجاري  خبر وفاته قائلا ... توفي هاينز قبل يومين. رحل بسلام، محاطًا بأصدقائه وجيرانه وعائلته الإسبانية التي كانت تعيش معه وتعتني به بكل حب حتى آخر أنفاسه.


ظل عقله متيقظًا حتى النهاية، لكن للأسف لم يعد جسده قادرًا على التحمل.


كان الطبيب والممرضات يعتنون به يوميًا، ويحرصون على تخفيف آلامه ومعالجة جروحه.


كان هاينز أسطورة بين راكبي الدراجات؛ حتى أن البعض أطلق عليه لقب عراب ركوب الدراجات. ألهم الآلاف لركوب دراجاتهم واستكشاف العالم. كان يأسر جمهوره بقصصه التي لا تنتهي من مختلف أنحاء العالم. كان راويًا بارعًا، لكنه لم يكن كاتبًا - ولهذا السبب لم يؤلف كتابًا قط، بل اكتفى بكتيبه الشهير.


كان رمزًا للعصر التناظري؛ لم يمتلك هاتفًا ذكيًا أو بطاقة ائتمان، ولم يتعلم قط كيفية الرد على رسائل البريد الإلكتروني.


مع ذلك، كان له تأثيره الخاص قبل أن تُغيّر وسائل التواصل الاجتماعي حياتنا.

لو كنتَ تتجول بدراجتك على الطرق الريفية حول العالم، لسمعتَ قصصًا عن هاينز دون أن تقابله أبدًا. على الأقل، هكذا كان الأمر بالنسبة لي حتى طرقتُ باب منزله في هوفيلهوف ذات يوم، ومنذ ذلك اليوم الصيفي في يونيو 2021، ربطتنا صداقة متينة.


عندما انطلق بدراجته في نوفمبر 1962 ومعه 300 دولار فقط، لم يكن يتخيل أنه سيقضي أكثر من 50 عامًا يجوب طرق العالم الريفية. كان المجهول الذي ينتظره في كل منعطف يجذبه بشدة لدرجة أنه لم يرغب في العودة إلى الوراء - إلى حياة ربما كانت تتضمن وظيفة روتينية، ومنزلًا، وزوجة، وأطفالًا.


لقد وجد ضالته، ولم يملّ أبدًا من ركوب الدراجة بفضول عبر العالم، مكتشفًا ثقافات أجنبية ومتغلبًا على التحديات التي واجهها.


لم يسافر أحد حول العالم بكثافة أو لفترة طويلة مثل هاينز، الذي أمضى 51 عامًا دون انقطاع وهو يتجول بدراجته ثلاثية السرعات عبر كل دولة في عالمنا الرائع حاملاً ما يصل إلى 50 كيلوغرامًا من الأمتعة.

المصادر: الموقع الرسمي لهاينز شتوكه، موسوعة ويكيبيديا باللغة الإنجليزية والألمانية، كتاب Home Is Elsewhere: 50 Years Around the World by Bike للكاتب Eric van den Berg، موقع CyclingAbout، ومقالات Active-Traveller وتقارير صحفية من BBC وThe Guardian حول رحلاته وإنجازاته. (Heinz Stucke Book)

للإستزادة اضغط  👈🏻 هنا 

التالي
هذا هو أحدث مقال.
السابق
رسالة أقدم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شاركنا رأيك

إعلان أسفل المقال